تشكيل الحكومة العراقية .. هل سيحتاج إلى عملية قيصرية
السياسة المكوكية سلاح الائتلاف الوطني
صالح الياس الفراتي
بعد أن غربلت نتائج الانتخابات البرلمانية الكتل السياسية , انطلقت حناجر الفائزين تتحدث عن التحالفات المحتملة لتكوين كتلة برلمانية ذات أغلبية مطلقة ( نصف مقاعد البرلمان + واحد ) لإنجاب حكومة عراقية ائتلافية تقود البلاد لأربع سنوات مقبلة.
من؟ وكيف؟ ومتى؟
أسئلة تؤرق المواطن الذي يخشى المزيد من التدهور في الأوضاع الأمنية والخدمية بسبب الشد والجذب بين الفرقاء السياسيين …
من سيشكل الحكومة الجديدة ؟
الدستور العراقي في المادة (73) منه نص على “…أن مرشح الكتلة الأكثر عددا في البرلمان سيشكل مجلس الوزراء…”
أربع كتل فائزة استحوذت على (293) مقعدا من أصل (325) عدد مقاعد البرلمان الجديد توزعت كالآتي:
(91) مقعدا لائتلاف العراقية و (89)مقعدا لائتلاف دولة القانون و (70) مقعدا للائتلاف الوطني العراقي و (43) مقعدا للتحالف الكردستاني .
وعلى ضوء هذه النتائج لا يمكن تسمية الكتلة التي تستطيع تشكيل الحكومة بمفردها.
تباينت التفسيرات التي تناولت المادة (73) و جاءت المحكمة الاتحادية لتذكى الجدل السياسي والقانوني الدائر في الدهاليز السياسية حول هذا الموضوع عندما فسرت هذه المادة …”بأن الكتلة التي ستكلف بتشكيل الحكومة هي اكبر كتلة تتكون في البرلمان وليست الكتلة التي فازت بأكثر المقاعد في الانتخابات” ما يعني إمكانية حرمان علاوي من تشكيل الحكومة رغم فوز قائمته بأغلبية نسبية. وهذا ما رفضته قيادات ائتلاف العراقية معتبرين أن هذا التفسير جاء نزولا عند رغبات السلطة التنفيذية التي تسيطر عليها أحزاب معينة تسعى للبقاء في السلطة .
ووسط هذا التجاذب كيف ستشكل الحكومة إذن ؟
الاستحقاق الانتخابي والمكاسب السياسية ثم مبدأ التوافق الوطني والضغوط الإيرانية والأمريكية عوامل الوصول إلى الحكومة المرتقبة .
وعدم وجود كتلة ذات أغلبية مطلقة فتح الأبواب على مصاريعها للتحاور والتباحث لتكوين تحالف تتحقق فيه هذه الأغلبية , وتنبثق عنه “حكومة شراكة وطنية” لا تحيد عن مطرقة إيران وسندان أمريكا .
الكرة الآن في ملعب ثالث اكبر الكتل الفائزة وهي الائتلاف الوطني وبطبيعة الحال حليفه الاستراتيجي التحالف الكردستاني .
فالسياسة فن الممكن ولما بدت المساحة التي تتحرك فيها هاتان الكتلتان اكبر من استحقاقهما الانتخابي لا بد إذن من تنازلات من قبل الساعين لرئاسة الحكومة , علاوي والمالكي .
ومن دون استبعاد أية مفاجئات تظهر هنا أو هناك يدور الحديث الآن عن احتمالات عدة:
كأن يتحالف ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي مع الائتلاف الوطني والتحالف الكردستاني ويخرجون علاوي من اللعبة.
أو أن يخطف علاوي رئاسة الوزراء من المالكي إذا تحالف مع الوطني والكردستاني. وفي الحالتين ستتحقق أغلبية مريحة لتشكيل الحكومة. وفي نفس الوقت ستكون هناك كتلة معارضة في البرلمان لا يستهان بها .
أما الاحتمال الثالث وربما الأوفر حظا إلى هذه اللحظة , أن تؤلف الكتل الأربع الكبرى حكومة شراكة “وطنية” بعد حسم منصب رئاسة الوزراء بين العراقية ودولة القانون وتوزيع المناصب السيادية الأخرى على الكتل المشاركة في الحكومة .
الائتلاف الوطني وسياسة المكوك
ويبدو أن الكتلة التي ستلعب دور رمانة الميزان في تأليف الحكومة هي الائتلاف الوطني وبشكل اقل التحالف الكردستاني , ويتضح ذلك من تهافت المالكي على الائتلاف ومحاولته استرضاء التيار الصدري وتيار ابراهيم الجعفري , وكذلك التودد المفرط من قادة العراقية تجاه الائتلاف الوطني .
وربما أجاد الأخير اللعبة بإتباع سياسة مكوكية نشطة , إذ نجده قريبا من المالكي تارة ومن علاوي تارة أخرى متظاهرا بالوقوف على مسافة واحدة منهما رغم الإلحاح الشديد من المالكي وائتلافه على كسب دعم الائتلاف . وكذلك محاولة إيران التوسط لتقريب وجهات النظر بين الطرفين من خلال إجلاسهم على طاولة واحدة في طهران.
ونجد أيضا دورا مماثلا للأكراد وان كانوا هذه المرة اقل حراكا أو أكثر حذرا مما كانوا عليه وان استقبل القادة الأكراد في إقليم كردستان وفودا سياسية للتباحث والتشاور ضمن إطار جهود تشكيل الحكومة .
إذا كانت الصورة مقعدة بهذا الشكل فمتى يتفق الفرقاء على تأليف الحكومة ؟
بعد مضي أكثر من أسبوعين على إعلان نتائج الانتخابات تبدو الصورة ضبابية والإشارات التي يطلقها المتحاورون غير مفهومة على الأقل لدى المواطنين العراقيين. ما يعيد إحياء توقعات سابقة أشارت إلى أن تأليف الحكومة سوف يستغرق بضعة شهور .
صحيح أن العجلة في تشكيل الحكومة وكذلك التأخير لا يخدمان البلد , لكن يجب على المتحاورين مراعاة التوسط في مسالة الوقت . مع التأكيد على أن تكون الحكومة الجديدة ممثلة لجميع العراقيين , تعمل على حسم ملف الأمن للانتقال بالبلد إلى مرحلة التطوير والبناء وتحسين المستوى المعيشي والخدمي للفرد للفردالعراقي .
وبقدر ما سيحدث من مد وجزر في العلاقات بين الأحزاب الهادفة للوصول إلى السلطة , ستكون الأيام القادمة طويلة وربما قاسية على المواطنين , لان الأمن في العراق يتأثر بالسياسة تأثر الأمواج بالرياح .
أية حكومة يريد العراقيون؟
بعد سنوات عجاف مرت على الشعب العراقي عقب الاحتلال الأمريكي شهد البلد مراحل حكم متعددة أسوؤها كانت مجلس الحكم و سلطة الائتلاف الموحد التي تولاها الحاكم المدني بول بريمر الذي احدث أخطاءً جسام لا تزال آثارها السلبية قائمة الى الان , ثم تلتها الحكومة المؤقتة في 28 حزيران 2004 برئاسة اياد علاوي وكانت تحركها السفارة الأمريكية في بغداد , وربما لان عمرها كان قصيرا فلا يمكن إطلاق الأحكام عليها أو لان البلد شهد في ظل حكومة إبراهيم الجعفري الانتقالية (15- كانون الثاني – 2005) حربا أهلية غير معلنة أسفرت عن قتل وتهجير مئات الآلاف من العراقيين . أما حكومة المالكي الدائمية فكانت أفضل من سابقتها حيث تراجعت إلى حد كبير أعمال العنف الطائفي وحققت تحسنا امنيا واضحا في بغداد ومحافظات الجنوبية والغربية , لكن يأخذ عليها تأثرها بالمحاصصة الطائفية والفساد المستشري في مؤسساتها ناهيك عن المشاكل المعلقة التي رُحِلت إلى الحكومة القادمة كالمشاكل مع إقليم كردستان. هذا إذا لم نتحدث عن القصور الواضح في ملف السياسة الخارجية .
في المرحلة المقبلة يحتاج العراق إلى حكومة تكنوقراط تعمل في مجال السياسة الداخلية على تحقيق استقرار امني حقيقي وبناء مؤسسة عسكرية مهنية تنأى بنفسها عن تأثيرات السياسة والقضاء على تركة المحاصصة الطائفية , وإزالة الهواجس التي تعيق التقدم الاقتصادي والاستثماري في البلد ووضع خطط مدروسة للقضاء على الفساد الحكومي والتركيز على توفير الاحتياجات الضرورية للمواطن …
وفي ميدان السياسة الخارجية يتطلع العراقيون إلى حكومة تبني علاقات متكافئة مع الدول ووضع حد لكل التدخلات والأدوار السلبية التي تمارسها قوى إقليمية ودولية في العراق . في المرحلة الآتية نحن بحاجة إلى استعادة دورنا كقوة مؤثرة عربيا وإقليميا والى تمثيل قوي في المحافل الدولية, يبدد الصورة السلبية تجاه عن بلدنا .
0.000000
0.000000
Filed under: Uncategorized | أضف تعليق »