الهاربون من الجفاف

ثلاثة ملايين نزحوا في عامين

انهم يرحلون على مضض، بغصة كبيرة في الصدر، هم الذين يعشقون مواطن الخصب والعطاء على ضفتي دجلة والفرات. يرحلون الى حيث لا خصب، الى المدينة، بحثاً عن لقمة العيش. الجفاف لم يترك لهم شيئاً، وحتى أغنامهم تخلصوا منها بثمن بخس، واليكم الحكاية.

عادت المياه القهقرى وهي تنحسر في الأنهار والجداول، ولم يقف الأمر عند هذا الحد. حتى الجداول الصغيرة او«الذنايب» جفت هي الأخرى، وتأثرت الآبار المحفورة بالكارثة، فكلما انخفضت مناسيب المياه ازدادت ملوحة مياه الآبار وصارت الحاجة ملحة الى زيادة اعماقها. مقولة قديمة قد يصل عمرها الى 90 سنة عادت: «فلاح صدور، ولا ملاك ذنايب»، ومعها عادت جدلية الرحيل سعياً الى مصادر المياه، لكن المياه التي انسحبت هذه المرة الى الوراء سحبت وراءها الفلاحين وسكان القرى الريفية التي تعتاش عليها في ما يشبه الانهيار الاستيطاني.
هذا الانهيار الاستيطاني بدا على مستويات ضعيفة في العام 2006 لكنه أخذ يتزايد شيئا فشيئا خلال الاعوام التالية، وكما رافق هذا الانهيار عملية تقليص مياه الرافدين من منبعيهما، كانت هناك موجة عملاقة اجتاحت حياة الفلاح تمثلت في دخول الخضار والفاكهة، والمنتجات الزراعية ذات النوعية الجيدة من دول مجاورة، لتلغي المنافسة من أساسها، ولم يكن امام الفلاح العراقي الا ان يراقب بحسرة كيف يخسر رزقه ومعيشته.
هذه الارقام هي التي استطعنا الوصول لها، وهنالك اماكن تحتاج الى مسوحات مطولة وجولات كثيرة لتتضح الصورة عن الأثر الذي خلفه شح المياه على العامل السكاني، وليس لدى الحكومة جهاز متخصص في مثل هذه الأمور، والقضية تتوزع على وزارات واجهزة عدة. وزارة الزراعة كانت الوزارة الاولى التي يمكن ان توظف فعالياتها في معرفة اولية للاعداد التي هاجرت للعيش في المدن وضواحي المدن القريبة، والحقيقة التي تضيء بعض جوانب الموضوع انخفاض كميات الانتاج الزراعي للعام 2009 عن العام 2008 بنسبة 36%، والمحافظات التي كانت تعد سلة غذاء تراجعت عن مواقعها السابقة مما يدل وبوضوح على هجرة مهنة الفلاحة. ومن غير المعقول ان يسكن الفلاح في ارض لا يزرعها ولا تعيله. لكن وزارة الزراعة بلا حول ولا قوة، عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها البسيطة تجاه المزارع والزراعة، ولا يمكنها ان تقوم بعمل اضافي كمعرفة الهجرة الفلاحية ونزوح قرى بأكملها. 24 قرية في محافظة واسط وميسان هجرها أهلها و36 قرية في الحلة والنجف غادرها سكانها، و44 قرية في البصرة والناصرية اقفرت واصبحت اطلالا، اما السماوة فكان لها النصيب الاوفر، وفيها قرى كثيرة وتجمعات سكانية هي اقل من قرى، تركت بدورها مناطق سكناها، والسبب شح المياه.


سجلات
وفي جانب آخر فان وزارة التجارة وفرت لنا احصائيات عن نسب التنقلات في سجلاتها الخاصة بنقل عناوين المواطنين من مراكز تموين الى اخرى، ورغم طول ومشقة المهمة، فان الحصيلة تؤشر في سجل العام 2007 الى نزوح قرابة مليوني مواطن من المناطق والقرى والأرياف الى مراكز المدن في الجنوب والوسط والمنطقة الغربية، كما هو واضح في سجلات مديرية مراكز التموين الالكترونية في الوزارة. العام 2008 شهد انتقال 3,3 ملايين مواطن الى المساحة الجغرافية المذكورة ذاتها من القرى والارياف والنواحي البعيدة عن دجلة وروافدها. بل ان اكثر من 1500 وكالة تجارية للمواد الغذائية للتجهيز المحلي للمواطنين أغلقت في قرى كثيرة في محافظات عدة، منها السماوة التي ألغيت فيها وكالات مواد غذائية، كوكالة في قرية البيضة، وقرية الوحدة وقرية ابو نعجة، وقرية الساجت وقرى أخرى. وفي الناصرية الغيت وكالات في قرى منها العتيبية والنهاوية، مهيدر، السبتة، الدوشمة، والجليبية، وهناك قرى في محافظات اخرى ألغيت وكالاتها بسبب هجرة سكانها الى المدن.
استاذ الجغرافيا السكانية الدكتور جليل علي يستغرب الصمت الاعلامي على هذه الظاهرة الخطيرة التي تحصر تدريجيا الجغرافيا السكانية بدوائر أضيق واضيق تبعا لحركة المياه، فكلما تحركت المياه نحو الداخل تصحرت القرى، والمهم في الأمر ان هنالك بنى اجتماعية تنهار وتتشكل بنى اخرى داخلية قريبة من المدن ومن مصادر المياه، وكما قل عدد القرى وتناقص سكانها فان المدن تنتفخ. على سبيل المثال فان الحلة مركز محافظة بابل كانت قبل سنتين ذات تعداد سكاني لا يزيد على 300 الف نسمة، أما الان فإن سجلات التجارة توضح أن عدد سكان المدينة قد ازداد وتضاعف ووصل الى 500 ألف نسمة بسبب هجرة سكان القرى المحيطة الى المدينة. في جانب آخر فان محافظة واسط شهدت تضخما في مركز مدينتها وصل الى 22% حسب ارقام وزارة التجارة الاولية المأخوذة من مراكز تموين المحافظة.
ميسان نزح من أريافها الى مركز المدينة أكثر من 120 الف نسمة في الاعوام الثلاثة الماضية، ورغم غياب قاعدة معلومات سكانية دقيقة، فان الانتقال من وكيل المواد الغذائية الى اخر يدون في سجلات التجارة الالكترونية، هو ما اعتمدنا عليه في تحقيق النسب والبحث والتقصي.


آثار
وللنزوح الكثيف تداعياته وابعاده. مدير مكتب هيئة التخطيط الحضري والاقليمي في وزارة التخطيط الدكتور جواد الموسوي يذكر في هذا السياق ان الهجرة التي حصلت ابان السبعينيات من القرن المنصرم الفائت، ادت الى تداخل تقاليد الريف بالمدينة، ونشوء نظام اجتماعي هو مزيج من المجتمعين الريفي والمدني تغلبت فيه النزعة الريفية وطغت، فأصبحت المدينة. حتى هذا اليوم مضيفاً عشائرياً ذا هيئة مدنية. شيخ عشيرة المدينة مثلاً يزاول عمله في دوائر الدولة وجامعاتها ومؤسساتها المختلفة، ومساء وخلال العطل، هو يرتدي الزي العربي التقليدي ويجلس في مجالس الفصول العشائرية التي اضعفت دور القانون وعززت سلطة المحلات والمناطق الشعبية وتجمعات الاقرباء الاكبر والاكبر، وهي قضية زادت من نسب الجريمة بلا ادنى شك. يضاف الى ذلك الاثر السلبي على الهندسة المعمارية للمدينة ونظافتها. حتى ان مهنة رعي الاغنام وتربية الدواجن والخيل والحمير دخلت وسط المدن حيث الانتفاخ السكاني، وباتت اصغر عائلة تعد 5 افراد وهناك عائلات عددها 30 فردا، كما حال مدينة الصدر وحي العامل والشعلة والراشدية ومناطق أخرى كثيرة.
من الآثار المنظورة للهجرة التي بدأت تتزايد في الآونة الاخيرة الانفاق العالي جدا على المدينة التي تضاعفت حاجاتها بسبب الكثافات السكانية، علماً انه في زمن النظام السابق قيد النزوح بقانون غير مباشر يمنع نقل سجلات النفوس من المحافظات الى العاصمة، ومن القرى الى المراكز، ويمنع تسجيل العقارات باسماء غير السكان القدامى للمنطقة اضافة الى تقييد نقل البطاقة التموينية والتنقل بين المحافظات.
ومن التداعيات ايضا تحديد مساحات الاستثمار واعاقته، لا سيما وان معظم الوافدين من الارياف يرون ان النزل الطيني مناسب جدا فيحطون متاعهم في أي مكان، وبالتالي يقلصون الاراضي المعدة للاستثمارات قرب المدن وفي ضواحيها، وتصعب مع ذلك ازالة تجاوزاتهم، وهم اسرع ما يكون الى التوطن والاستقرار والانتشار، وبعضهم يبدأ باستقدام البعض الآخر وهكذا تتكوّن مستوطنات عشوائية تشوه المدن ومداخلها ومخارجها.


تقارير
وهنالك تقارير حكومية تتحدث بشكل غير مباشر عن قوة النزوح السكاني متمثلا بالهجرة من الريف الى المدينة. تقرير وزارة البلديات في المحافظات يتحدث مثلاً عن ان التجاوزات على أرض الدولة وعقاراتها لاغراض السكن العشوائي بلغت 67% من مجموع السكن الكلي في العراق أي ان السكن الاصولي القانوني هو في حدود 43% فقط. وامانة بغداد قدرت نسبة التجاوز على أراضي الدولة في العاصمة بـ61%. اما وزارتا التخطيط والمالية فبينتا ان كلفة ازالة التجاوزات في العراق قد تصل الى 16 مليار دولار في المرحلة الاولى ومثلها للمرحلة الثانية، والسقف الزمني قد يفوق 5 سنوات. ووزارتا الزراعة والري تعطيان فترة اقصاها العام 2030 لاخلاء ثلثي اراضي البلد المستوطنة اصلا من ساكنيها بسبب شح المياه وجفاف الانهر الفرعية والروافد، والاعتماد بنسبة 70% على الآبار لسد حاجات الشرب والاستخدام المنزلي للمياه، بينما ستكون نسبة الاعتماد على الآبار في الزراعة 77%، وستتراجع الزراعة في العراق بنسبة 58% خلال الفترة المنظورة للدراسة اذا ما بقيت الاوضاع على حالها واستمرار تراجع مواسم الامطار.
أما وزارة التخطيط فترى ان الزراعة لن تشكل 3% من موارد العراق ولن يكون في مقدورها ان تسد حاجة 5% من السكان خلال السنوات العشر المقبلة، وسترتفع تبعاً لذلك تكاليف الانفاق على عمليات تأمين المياه

ضياء السراي

5 تعليقات

  1. الزميل العزي ضياء الشراي هذا هو اقوى تحقيق اقرأه في هذا الموقع ، اتمنى لك الموفقية في اعمالك القادمة .

  2. الزميل العزيز ضياء السراي هذا هو اقوى تحقيق اقرأه في هذا الموقع ، اتمنى لك الموفقية في اعمالك القادمة ..

  3. اشكرك زميلي حسين الكعبي وفي كلماتك تشجيع لي للكتابة واتمنى ان يرفد الزملاء الموقع بكتاباتهم .

  4. عمي تلعب لعب وعلي تلعب روح ابو خميس حلك

  5. ولك جويسم شخبارك يمعود مشتاقلك والله ، خوية خابرني لان ضيعت رقمك

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: